الاثنين، 22 فبراير 2021

سورة المرسلات من آية 38 إلى 50

هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50))

" هذا يوم الفصل " اليوم الذي نفصل فيه بين الحق والباطل، نفصل فيه في قضايا كثيرة من ضمنها الفصل في قضايا الدين، "جمعناكم والأولين" الأولين لهم تأثير على الآخرين - الذين جاءوا من بعدهم - فالله سبحانه وتعالى يحكم بينهم اليوم، يجمعهم بآباءهم الذين قدموا لهم أعمالهم في الدين. 

" فإن كان لكم كيد فكيدون" كيدوا ما تكيدونه اليوم، فغدًا ستلقون جزاءكم، وهي مشكلة الدين الذي يبقى ويستمر من خلال المكر وليس من خلال الحقيقة، فاليول لمن أنكر الحقيقة وعاش بالمكر " ويل يؤمئذ للمكذبين ".

"إن المتقين في ظلال وعيون" الجهة الأخرى للتكذيب هي التقوى، فهي التي تدفع الإنسان نحو التصديق، وعلى خلاف النتيجة التي يصل إليها المكذبون يوم القيامة من عذاب، فإن المتقين في ظلال وعيون، الظل من حرارة الشمس اللاهبة، والعيون تعبر عن توافر الماء، وغير المتقين في ذلك اليوم في سموم وعطش. هؤلاء المتقون مدعوون إلى مائدة الرحمن التي يشملها الرضا قبل أن يشملها الطعام " كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعلمون". " إنا كذلك نجزي المحسنين" 

"ويل يومئذ للمكذبين" تعاود الآيات لتهديد المكذبين بالآيات، ثم تقول لهم " كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون" فهي تبيّن أنهم مجرمون، وجريمتهم في الدين، لأنهم مكروا من أجل ابعاد الناس وإبعاد أنفسهم عن الآيات وعن الحقيقة، وهذه جريمة كبيرة، وتعاود مرة أخرى في تأكيد الوعيد " ويل يومئذ للمكذبين" 

تختم السورة بالآية الكريمة: " فبأي حديث بعده يؤمنون " تخاطب أولئك الذين لم يؤمنوا بآيات القرآن، واتخذوا دينهم من آباءهم الأولين فلم تغيرهم هذه الآيات ولم تثنيهم، ولم يخافوا من وعيد الله، وتقول إذا كان التهديد مستمر في هذا القرآن بأشكال مختلفة بطريقة لا مثلها إنذار آخر، فبأي حديث بعده يؤمنون؟ هل يوجد أصدق من حديث الله وأقوى منه؟ فإذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فلن يؤمنوا بأي حديث آخر.

الجمعة، 5 فبراير 2021

سورة النساء من آية 36 إلى 42

( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ
 ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36))
هنا يأمر الله سبحانه وتعالى بأوامر محددة، مترابطة فيما بينها، وهي عبادة الله وعدم الشرك به، العبادة هي الطاعة، ولأن الله سبحانه وتعالى يقبل من المؤمن مطلق الطاعة، لذلك ثنى ذلك الأمر بالأمر "ولا تشركوا به شيئاً " أي لا تشرك مع الله في طاعته أحد غير الله، ثم بالوالدين إحسانا، وفي هذا دلالة على أن لا يكون للوالدين أثر في اختيار العبادة المطلقة لله سبحانه وتعالى، أو تأثيرهم في موضوع الشرك، فالآية تأمر بأن لا يكون لهما أي تأثير في العبودية المطلقة لله، ولكن لا يكونن ذلك سبب في أن يسيء الإنسان لوالديه، عليه أن يتعامل معهما بالإحسان حتى مع رفضه لطاعتهما في الشرك بالله.
ثم تأمر الآية بالإحسان إلى عدة أصناف توليها الآية أهمية في التعامل وهي ذي القربى أي الأقارب، ثم اليتامى والمساكين والجار ذي القربى أي الجار القريب في النسب، ثم الجار الجنب الذي لانسب بيني وبينه ولكنه جار، والصاحب بالجنب هو أي أحد تصاحبه في أي عمل أو أي صحبة، وابن السبيل هم أبناء الشارع الذين لا نسب ولا ملجأ لهم، وما ملكت أيمانكم: هم العمال الذين يقومون بأعمال لنا في الحياة. 
ثم تقول الآية إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، فالحديث عن البخل جاء بعد عن هذه الأصناف التي يحتاج بعضها إلى المعونة والمساعدة، وتربط الآية بين البخل والتفاخر، لأن البخيل هو الذي يحب التفاخر. 
المختال: هو الذي يصاب بالخيلاء، والخيلاء هو من الخيال، والخيال هو ما يتوهمه الإنسان من صورة في ذهنه عن شيء، وما هو الخيال، هو ما يتصوره الإنسان عن نفسه من أنه هو الغني وله مكانة عالية بين الناس، وهو يريد أن يبقي هذه المكانة، والله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، يتفاخر بهذا الذي يتصوره عن نفسه، والذي يتعامل على أساسه مع الناس.
وتأتي هذه الآية في سورة النساء على أعقاب الحديث عن النساء كون موضوع البخل قد يكون بسبب تأثير أحد أفراد الأسرة، فقد يكون بسبب تأثير الزوجة على زوجها، أو بسبب منع الزوج لزوجته كي يمنعها من الإنفاق، أو قد يكون بسبب الابن لتأثيره على والديه، أو العكس.

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (37)) 
قوله تعالى "الذين يبخلون" هي حالة كل مختال فخور، هذا المختال يبخل عن العطاء وفي هذا إشارة إلى شعوره بالمال وقد تكون لديه أموال، ويكتم ما لديه من أموال في وقت الحاجة لهذا المال من قبل المجتمع الإيماني ومن قبل الرسول، وتختم الآية بالقول "وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينا" هذا الذي لا ينفق في وجوه الخير هو ليس بمؤمن، وهذا الذي تفاخر بهذه الأموال جزاءه الإهانة يوم القيامة نظير ذلك الخيلاء. نلاحظ أن البخل قد أودى بأصحابه إلى الكفر، والكفر أدى إلى هذه الخسارة وهي العذاب المهين. 

(وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً (38))
هم نفسهم المختالون الذين يكتمون مالديهم من أموال، ولكن هم ينفقون من جهة أخرى من أجل مراءاة الناس ومن أجل أن يمتدحهم الناس ويذكرونهم بالثناء.

(وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً (39))
الآية تعقب على الآية السابقة، تكمل وتوجه التساؤل حول الذين يبخلون ولاينفقون إلا رئاء الناس، الآية تتساءل: "ماذا عليهم لو آمنوا بالله" وكأنها تقول لن يضرهم شيء لو أنهم أنفقوا وأضافوا على ذلك الإنفاق إيمان بالله حتى يكون للعمل قيمة عند الله ويكونوا في مأمن وفائدة ونجاة مع الله سبحانه وتعالى. 
"وكان الله بهم عليما" عليم بما يفعلون، وعليم بتصرفات الإنسان الصغير منها والكبير، وهذا يحتاج إلى إيمان بالغيب، لا إيمان سطحي لا يحقق نتائج على أرض الواقع.

(إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40))
وهنا يؤكد الله سبحانه وتعالى بأن هذا الإنسان لن يُظلم إن هو أنفق في سبيل الله، لن يظلم حتى مثقال ذرة، فبدلاً من أن يوجه هذه الأموال المنفقة في الرياء، فليوجهها لله بإيمان، فهذا هو أحسن له، وبالتالي لن يخسر مثقال ذرة، فقد ينفق الإنسان الكثير من الأموال من أجل السمعة، ولا يحصل عليها، والله سبحانه وتعالى لن يظلمه حتى في مثقال الذرة، والله سبحانه و تعالى يضاعف هذا الإنفاق، فيعطي جزاء لهذا الإنفاق ويعطي أيضًا من لدنه أجرًا عظيما زيادة على ذلك الإنفاق.

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً (41))
ثم تأتي هذه الآية لتسأل عن حال من هم حول النبي يوم القيامة، وتقول : " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد" ، هم أولئك الذين كانوا يبخلون الذين وصفتهم الآية السابقة، ثم تعطي حقيقة ما سيحدث  بالنسبة لهم، ويتبين حقيقة الشهادة التي تستهدفها الآية، وهي شهادة من قبل الذين أوتوا الكتاب على رسالة النبي محمد، كان مطلوب منهم شهادة في الدنيا على صدق دعوى النبي، ويوم القيامة يأت النبي ليشهد عليهم كتمانهم للحديث. 

(يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوْا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمْ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً (42))
في ذلك اليوم يود الذين كفروا الذين لم يستجيبوا لدعوة النبي، وعصوا أوامر الرسول الموجهة لهم، يودون حين يأت بك الله سبحانه وتعالى شهيد يوم القيامة عليهم يودون لو تسوى بهم الأرض، أي أن يتساوو بالأرض ويكونون ترابًا ولا يكتمون الله حديثًا، أي يتمنون لو أنهم لم يكتموا حديث الله، وذلك لأنهم كتموا حديث الله في الحياة الدنيا ولم يناصروا النبي محمد (ص) حين بلغ دعوته. 

💥💥💥


سوورة البقرة من آية 8 إلى آية 20

(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)
تبين الآية الكريمة أن هناك صنف من الناس يدّعي الإيمان بحقائق الغيب وبالآخرة لكنه في حقيقته لا يؤمن بها، وهنا يبرز لنا موضوع وهو التفريق بين الادعاء والصدق في الإيمان حيث إن الإيمان نوعان: الأول إيمان صادق والآخر كاذب، الإيمان الصادق هو الذي ينجح في فتن الإيمان، فالصابر والثابت على عمله وإيمانه والذي لم يتأثر في ذلك الإيمان ولم يتغير توجهه بعد الابتلاءات هو صادق فيما ادعى من إيمان، أما من تأثر عمله في الفتن فهو كاذب في إيمانه.
 الإيمان بالقول هو مجرد ادعاء، والادعاء لابد وأن يتبعه عمل يثبت ذلك الادعاء ،يقول الله سبحانه وتعالى في سورة العنكبوت (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) هكذا يحسب كثير من الناس أن الايمان بالقول، ولكن القرآن يؤكد أنه لابد وأن يعلم الله الصادقين فى القول والكاذبين من خلال اختبارهم في العمل. 


(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ)
تكمل الآيات الكريمة الحديث عن الفئة التي ادّعت الإيمان ولكنها ليست مؤمنة في حقيقة الأمر فغيرت الشكل الخارجي ولم تبدّل الباطل تبديلًا جذريًا، والله سبحانه وتعالى يسمي هذه الحالة الشكلية خداع، والخداع هو إخفاء وإظهار، اظهار شكل حسن واخفاء سوء تحته، لينخدع السوء وراء الشكل الحسن فيُخدع الرائي، وفي موضوع الآية، هو محاولة المؤمن اخفاء نفاقه مع الكتاب فيبرز صورة الإيمان عن نفسه أمام الآخرين لكن دون أن يكون لتلك الصورة أي مضمون حقيقي في قلبه، وهذا المؤمن يتحرك في الدين من خلال الصبغة الخارجية التي تعطي صورة الإيمان لكن لا شأن لها في حقيقته وإيمانه بالآخرة. 

ما يلفت الإنتباه في الآية هو قوله تعالى "يخادعون الله" وهنا تفرض الآية حالةً من التعامل مع الله فيها حالة إيمانية مزيّفة يعبر عنها القرآن بأنها مخادعة لله، الله عز وجل يقول في هذا " وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" هذا الإيمان الشكلي الذي يبيعونه للناس، ويظنون أنهم يستطيعون أن يتقربوا به إلى الله إنما هو حالة قشرية يخدعون بها أنفسهم ولا يصلون بها إلى مرضاة الله.

(فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)
"في قلوبهم مرض" من أجل فهم هذه العبارة يجب أن نعتبر أن القلب هو محطة لفهم حقائق الغيب ويجب أن تكون هذه المحطة سليمة حتى تتلقى الحقيقة وتتعامل على أساسها بصورة سليمة، وفي الآيات حالة إيمانية غير متكاملة، تكتفي بالشكليات اعتبرها القرآن مخادعة لله وللذين آمنوا، وتأتي هذه الآية لتبين أن هذا التعامل نابع من مرض القلب، وإذا كانت محطة الاستقبال ومعالجة الحقائق معطوبة فلن تنتج خيرا. ولقد استحقوا بهذا المرض أشد العقوبات وهو أن الله عز وجل زادهم مرضًا، وهذا ما يزيدهم مواصلة على ماهم عليه.
 
"ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون" وهنا تظهر صفة أخرى ذميمة وهي ا لكذب، وهي التي على أساسها استحقوا العذاب الأليم، لقد كذبوا على أنفسهم أنهم مؤمنين فصدقوا هذه الكذبة، وكذبوا على المؤمنين بالصورة  الشكلية التي فرضوها.


(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ) 
أحد مؤشرات مرض القلب هو انقلاب الصورة، فالمريض في قلبه يرى عمله عكس حقيقته، وهو يفسد ويظن أنه يصلح، والموضوع مخصص في الدين، فهذا الفساد الذي تتحدث عنه الآية في دين الله وأحكامه، هو ينشر الفساد بنشر ما يخالف كلام الله ويظن أنه إنما بذلك يسير في الصلاح.

(أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) 
تقر هذه الآية أن مرضى القلوب الذين لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر حق الإيمان ويدّعون الإيمان، ويتحركون لإصلاح المجتمعات إنما يسعون في فسادها ولا يسعون في الإصلاح، لكنهم لا يشعرون، مما يعني أن بعض الموازين التي يحتاجها المؤمن في كشف حقيقة مايقوم به من عمل هو الشعور الصحيح الذي يهبه القلب للإنسان.

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ۗ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَٰكِنْ لَا يَعْلَمُونَ)
وهنا أحد أشكال انقلاب الصورة حيث أنهم يرون الناس سفهاء، ولكن الله يقول الحقيقة أنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون، والسفاهة هي عدم قدرة الإنسان على إدارة شؤون نفسه بسبب نقص في العقل، وهم يرون الناس الذين يؤمنون بصورة مباشرة وبسيطة سفهاء لأنهم يروون أنفسهم أكبر منهم في العقل والعلم، فلا ينبغي أن يكون ما يتوجه له عموم الناس صحيحًا! ولكن القرآن يبيّن أين هي السفاهة؟ السفاهة في الابتعاد عن ما أنزل الله كما سيأتي في الآيات اللاحقة (ومن يرغب عن  ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه)، وهؤلاء الناس آمنوا بما أنزل الله واتبعوه، ولكن مرضى القلوب لم يستجيبوا لكلام الله واعتبروا أن الإيمان لا يأتي بهذه البساطة التي يدركها هؤلاء البسطاء، بل يجب أن تصدر من علية القوم، وهذا الإحساس الطبقي هو الذي يؤكد أنهم هم السفهاء حسب التعريف القرآني.

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)
وإذا لقوا الذين آمنوا بالرسالة والقرآن ادعوا الإيمان، وكأنهم لا يستطيعون الفرار من حقيقة هذا القرآن وصدقه ولكنهم في ذات الوقت لايستطيعون أن يذعنوا له ولا أن يقروا بما فيه، هذا جانب آخر من التناقضات الكبيرة التي تعيشها قلوبهم والتي جعلتهم من الكاذبين وأثرت على قلوبهم وأسقطتهم في مرض القلب، فمن جانب نفسي لا يستطيعون أن يتَنزلوا للتساوي مع بسطاء الناس وعمومهم، ومن جانب آخر لا يستطيعون أن يُذعنوا لحقائق القرآن بصورة كاملة، ولا الاقرار بكفرهم.

ثم إن الاية المباركة توضح أن ولايتهم الحقيقية للشياطين وليست للمؤمنين الحقيقيين، وتعبير الآية بالشياطين هو كشف رباني لحقيقة رفقائهم الذين يُسرّون إليهم بحقيقة ما في قلوبهم تجاه هذا القرآن وهذه الدعوة، وإن تواجدهم مع المؤمنين بالقرآن ماهو إلا نوع من أنواع الاستهزاء ليس أكثر، ولفظة "الاستهزاء" الواردة في الآية هي لفظة تكشف الحقيقة وليست بالضرورة هي ذات النص الملفوظ من قبلهم.

(اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)
عندما يذرهم الله سبحانه وتعالى يقترفون تلك المواقف مع القرآن ومع المؤمنين إنما هو استهزاء بهم، هم يظنون أنهم يستخفون بعقول المؤمنين، ولا يعلمون أن الله سبحانه وتعالى هو المدافع عن المؤمنين، وأن المكر الرباني يحيق بهم ليكونوا هم من يقعون في حالة الاستهزاء الحقيقية، لأن العبرة في الخواتيم وليس في هذه الحياة الدنيا الزائلة، لذا فعقابهم قاس جدًا وهو أن الله عز وجل يذرهم في طغيانهم يعمهون.

الطغيان هو الزيادة عن الحد، ولقد طغوا أمام حقائق القرآن وحقائق الإيمان وحقيقة الآخرة، وهذا الطغيان سببه التعالي الذي يسكن قلوبهم ورغبتهم الجامحة في العلو، هذا المرض العضال الذي يقود صاحبه دائماً للعمى فلا يرى ماهو حاله وماهو عليه. 

(أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ )
وتأتي هذه الآية الكريمة لتبين حقيقة ماهم فيه، لقد "اشتروا الضلالة" والشراء هو عملية استبدال، تدفع قيمة شيء لتأخذ السلعة التي ترغب فيها، وما هي سلعتهم التي يرغبون فيها؟ هي الضلال الذي وجدوا عليه أنفسهم، ولماذا تقول الآية "اشتروا"؟ لأنهم كما وجدوا أنفسهم على هذا الضلال، كان الكتاب بين أيديهم، ولكنهم انحازوا إلى هذا الضلال على حساب ما أنزل الله إليهم من بينات، وهذا الانحياز جعلهم يستبدلون أحكام الكتاب وعقائده بما وجدوا عليه أنفسهم، وهذا مايسميه القرآن "شراء" الضلال ، "بالهدى" الذي هو آيات الكتاب.

"فما ربحت تجارتهم" كلمة فيها من التوبيخ ما يجعل المؤمن يتحذّر من أن يقع  في مثل هذا الموقف، أو أن يتنازل عن كتاب الله وعن أحكامه، ثم تختم الآية بقولها : " وما كانوا مهتدين" في هذا إشارة إلى أن سعوا للهدى ولكنهم لم يصلوا إليه، فكانوا يظنون أنهم بالبقاء على ماوجدوا عليه أنفسهم وبتتبع الأثر سيصلون لذلك الهدى ولكنهم ضلوا.


(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ)
تبدأ هذه الآية في توضيح الحالة التي هم عليها من خلال هذا التشبيه البليغ، فذهابهم عن كتاب الله وابتغاؤهم الهدى من مصدر آخر هو نفسه حال الذي سعى في إجلاء الظلام من خلال إيقاد النار حتى تضيء ماحوله، وحين أضاءت له انطفأت وبقي في الظلمات مرة أخرى، النور هو الكتاب، وعندما نتوجه للكتاب ينير لنا الحقيقة، أما عندما نوليه ظهورنا فإن الله يذهب بنوره عن القلوب فلا ترى إلا الظلام.

(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ )
الصم هو الذي لا يسمع، البكم هو الذي لا يتكلم، العمي هو الذي لا يرى، فما حقيقة هذه الحالات مع كتاب الله، هي حالة من قلل من شأن كلام الله وابتعد عنه مبتغيًا الهدى من غيره، صم، لأنه لا يسمع ما يقال له من آيات، بكم لأنه لا يستطيع أن يتحدث بحقيقة ما أنزل الله، عمي لأنه لا يرى آيات الله.

(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ۚ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ)
وهنا مثال آخر، وهو أن مثل الذين ابتعدوا عن كتاب الله وعن آياته كمثل الذين يعيشون في قصف مرعب من السماء، وفيه تشبيه بمكان مظلم موحش لا نور فيه، تقصفه السماء بوابل من الأمطار الغزيرة، والرعد المخيف والبرق الخاطف، فيجعلون أصابعهم في آذانهم خوف سماع الصاعقة أن تصيبهم فتذهب بحياتهم.

فما حقيقة هذا المثل؟ هي حالة من يرى كتاب الله ببصيص من النور، وبشيء من السمع، وليس للبرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة، ما فائدة هذا البرق الخاطف لمن يريد أن يرى كامل الطريق؟ فمن يبتغي الهدى يريد أن يهتدي برؤية كامل الأفق، والبرق لا يعين على رؤيته الكاملة إلا لوقت خاطف، وهو ذات الحال مع من أولى كتاب الله ظهره فلا يرى الحقيقة إلا خاطفة ولا يكاد يرى كامل الحقيقة من الكتاب. 

يسمع لكلام الله فيخاف منه كما يخاف الذي يعيش في هذا الصيب من السماء، ولكنه بدلاً من أن يسلك السلوك الذي ينجيه من إنذار الله يضع اصبعيه في أذنيه لأنه لا يريد أن يسمع أكثر، ولا يريد أن يسير بهدي القرآن والكتاب.

(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ ۖ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) 
يكاد ذلك البرق أن يذهب بأبصارهم ويعميهم بالكامل، ولكن الله شاء أن يجعل لهم شيئًا من بصيص النور، فكلما أضاء لهم ذلك البرق رأوا شيئًا من الطريق مشوا فيه، ويعاود البرق في الاختفاء فيظلم عليهم ويتوقفوا مرة أخرى، ولو شاء الله لذهب بكامل سمعهم وبكامل أبصارهم، ولكن شاء أن يجعل ذلك البصيص من السمع والبصر حجة لهم وزيادة في الحيرة والتوهان. 
هذا المثل مقياس لحالة من يبتعد عن كتاب الله ويعيش الحيرة لأنه لايرى فيه كامل الحقيقة، ولكنه يرى شيئًا يسيرًا منها، فيسير على ذلك، لكن سرعان ما تتوقف رؤيته، وهذه الحالة التي وضعه الله فيها هي جزاء لعمله حين اشترى الضلالة بالهدى، وحين طلب الهدى من غير ما أنزل الله.

💥💥💥

تتحدث هذه المجموعة من الآيات الكريمة عن أصحاب القلوب المريضة، والمرض هو خلل، والخلل هنا أصاب القلب فلم يعد يفكر بالصورة السليمة، وأصبحت قراراته تشبه الجنون الذي يودي بصاحبه للهلكة وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، أما سبب المرض فهو زيغهم لما وجدوا عليه آباءهم، ولأنهم أحبوا الانتصار إلى طائفتهم وجعلوا الدين بالانتماء لتلك الطائفة، ورفضوا أن يكون الدين هو دين الله لكل الناس، ويعبر عن  ذلك قولهم " أنؤمن كما آمن السفهاء" فالسفاهة عندهم هو أن لا تنتمي إلى طائفتهم. يسفّهون الناس الذين ليسوا على طريقتهم، ويتعالون على بقية الناس ظنًا بخصوصيتهم عند الله.

هؤلاء المرضى يزعمون أنهم يؤمنون بالكتاب، ولكنهم في الحقيقة يؤمنون ببعض الكتاب وليس بكل الكتاب، والله عز وجل يريد من المؤمن أن يؤمن بكل الكتاب، أما رفضهم لهذا البعض فهو بسبب الهوى، وبسبب بقاؤهم على الموروث على حساب كلام الله، ولأنهم يتحاكمون لغير كتاب الله "الطاغوت"، وهذا التبعيض هو الذي يسميه القرآن شراء للضلالة بالهدى، لأنه استبدال لما أنزل الله إليهم بغيره.

حين أصيبوا بالمرض انقلبت الصورة لدينهم، فأصبحوا يرون الإصلاح فسادا، والفساد الذي يسيرون فيه إصلاح، وأصبحوا لا يشعرون بما يقومون به من إفساد، أما علاقتهم مع الكتاب فهي علاقة مضطربة غير ثابتة، يرون شيئًا من الحقيقة ثم يفرون منها ، ليلجأوا لغير الكتاب ويعيشون العمى على  الدوام.

هذه الفئة التي تتحدث عنها الآيات هي فئة حزب الشيطان الذين ابتعدوا عن الآيات وأصبحوا يتولون الشيطان، وقد سمح الله لهم أن يقيموا هذا الحزب على مبدأ الحرية في الاختيار. 

استخدمت سورة البقرة عبارة "من الناس" للتعبير عن المؤمنين مرضى القلوب في أكثر من موضع، هنا في هذه الآية وكذلك في آية تبديل القبلة لاحقًا "سيقول السفهاء من الناس "، وفي نهاية آيات الحج في نفس السورة  "ومن الناس من يعجبك قوله".  وهذه اﻵية تواصل الحديث عن الموضوع الذي بدأت به السورة  وهو أن الكتاب هدى للمتقين (المبيَنة صفاتهم)، وقد قسمت السورة في بدايتها الناس حسب إيمانهم بالكتاب إلى ثلاثة أصناف، الصنف الأول هو المؤمن بالكتاب المتقي، الصنف الثاني هو الكافر به، الصنف الثالث هو المدعي للإيمان وهو الذي ذكرته هذه اﻵية. ولخطورة هذا الصنف فقد أولته السورة حديثا مطولا حتى آية 29 ، وهذا الحديث المطول بسبب أهمية الالتفات إلى هذه المشكلة، ولأنها تعد مقدمة لما ستتناوله السورة فيما بعد من أحكام وعقائد انحرف عنها مرضى القلوب من أهل الكتاب.

الغاية من انزال الكتاب أن يقام الدين على أساسه، والكتاب لا يتغير مع كل رسول بل هو كتاب واحد ولكنه ينزل بلغات وكل كتاب يلحق السابق هو مهيمن عليه لأنه يحمل حقائق من تاريخ الرسالة التي لم يتحدث عنها الكتاب السابق. والكذب الذي تتحدث عنه الآيات عن مرضى القلوب هو أنهم ادعوا إيمانهم بالكتاب ولكن في التطبيق اتبعوا غيره. 

الخميس، 4 فبراير 2021

سورة الإسراء من آية 70 إلى آية 77

(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71))

في مشهد يوم القيامة، ينادى على كل أناس باسم الإمام الذي اتبعوه، الناجون هم الذين كانت بصائرهم فاعلة مع كتاب الله فرأوا آياته وأتموا بها..

( وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72))

💥💥💥

 ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70) يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71) وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77))

يبدأ هذا المقطع بالحديث عن التكريم الذي أولاه الله عز وجل للإنسان، ولكن على هذا التكريم حساب، أساسه اتباع كتب الله المنزلة وتقديرها، 

 (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70))

تستعرض الآية الكريمة أنواع التكريم على بقية المخلوقات، على أساس قبوله بالخلافة وقبوله بحمل الأمانة، وفي ذات السياق تتحدث عن الإمامة في الآية التالية، لأن الإنسان وبعد أن عاهد الله على أن لا يشرك به شيئا ولا يتخذ من دونه أولياء، إلا أنه ائتم بغير ما أنزل الله واهتدى بغير هداه فضل، وعلى هذا الأساس تكمل الآية التالي: 

(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (71))

في ذلك المشهد إمامة الإنسان تحدد فعله وتحدد مصيره أيضًا، فمن ائتم بما أنزل الله فأولئك هم الناجون المفلحون الذين يستلمون كتابهم بأيمانهم، وخلاف ذلك هو ما جاءت به لآية التالية التي تتحدث عن الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكر الله: 

(وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72))

وهذه الآية تلخص المشهد، فتبين أن الذين لم يكن لهم الفوز هم الذين عميت أبصارهم في الحياة الدنيا، ونعلم أن تفعيل نعمة البصر يكون بالنظر إلى آيات الله الكونية، وآياته المنزلة في كتبه السماوية، وكلا الأمرين يقودان إلى نتيجة واحدة وهي الإتمام بنهج الله المنزل في كتبه. ومن عمي ذلك في الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل، لأنه كان في الدنيا في ضلال وعمى. 

ثم تخاطب الآية التالية النبي محمد والذي عانى من هذا الصنف من البشر، فحاربوه وجاهدوا في إسكات كلمة الحق حتى لا يستمر مشروع النور النازل من السماء، جاهدوه بالإسكات والفتنة التي تغير الدين عما أنزله الله في القرآن:

(وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73))

كادوا يدسوا فتنتهم في الدين، وكادوا أن يجعلوا النبي مصدر تثبيت لأباطيلهم المخالفة لما أنزل الله، ولو فعل النبي ذلك لاتخذوه خليلًا، ولأقروا به كمصدر للشريعة. ثم تكمل الآيات: 

(إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77))

الأحد، 31 يناير 2021

سورة الحاقة من آية 13 إلى آية 18

 (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18))

كلمة ذات معنى مرعب تحتاج أن يتوقف عندها الإنسان طويلًا، هي قوله تعالى: "يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية"، بعد المشهد الكوني الذي تعرضه الآيات السابقة من نفخ الصور ودك الأرض والجبال في حملة واحدة، ثم انشقاق السماء ونزول الملائكة ونزول عرش المحكمة الإلهية معهم، بعدها تأتي دور هذه العبارة المخيفة التي تحمل صورة المحاسبة الدقيقة المكشوفة.

الخافية، التي خفي شأنها عن الناس أجمعين لا يعلمها إلا صاحبها وهي في نفسه لوحده، لا يعلم بها إلا الله، وفي ذلك اليوم تنكشف كل الحقائق، الآية الكريمة تقول: " تعرضون " أي يعمل منكم عرض يراه الملائكة والناس، الجميع يرى حقيقة هذا الإنسان ولن يستطيع أن يخفي شيء من مساوئه كما كان في دار الدنيا. 

يعيش الإنسان البعيد عن الحقيقة بقناع مزيف، يُخفي مساوءه وذنوبه وآثامه للآخرين بمهارة فائقة، وقد يُظهر المحبة لكنه يُخفي خلف تلك المحبة حقد دفين وضغينة مخبوءة خلف ابتسامة صفراء..وقد يُظهر الود لكنه يتستر على حسده الذي يأكل جوانب قلبه.. وهكذا يعيش الحياة الدنيا بحقيقتين متناقضتين يُظهر فيها كل جميل ويدس القبح عن أعين الناس خلف الستار، وهو لايعلم أنه محاسب على ذلك القبح وتلك الآثام والذنوب المخبوءة والمستترة، ومحاسب على عدم سعيه في إصلاح نفسه، وتحويل ظاهره الجميل إلى شيء حقيقي مطابق للباطن.

الجمعة، 29 يناير 2021

سورة العنكبوت من آية 5 إلى آية 7

 (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5) وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ (6) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7)) 

" أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"، تساؤل استنكاري يشير إلى غفلة الناس عن الفتنة في الإيمان، وعندما تقول الآية "أن يقولوا" فإنها تؤكد أن الإيمان ليس بالقول فقط، ولابد من اختبار يبين حقيقة هذا الادعاء. 

الفتنة هي اسم هذا الاختبار، والفتنة تحصل عندما ينشغل قلب المؤمن بشيء غير الذي صدق به، فللإيمان قواعد وقوانين، وللحياة التي نعيشها قوانينها المادية المشاهدة، والمشاهد المحسوس يفتن الإنسان عن الغيب، فهل يصمد إيمان المؤمن ويثبت في الشدائد والامتحانات التي تشده بعيدًا عن إيمانه؟ فإن ثبت سيكون حينها صادق فيما ادعاه بالقول.

" ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"

قد نتصور أن الفتن أصبحت جزء من الماضي، وأننا بمنأى عن هذا الأمر، ولكن الحقيقة أنها سنة ربانية جارية على كل من دخل الإيمان وادعى بلسانه أنه مؤمن، ولقد جرت هذه السنة على الأولين وستجري على اللاحقين أيضًا حتى يعلم الله الذين صدقوا في ادعاءهم ويعلم الكاذبين، فالصدق في القول يثبته العمل. 

"من كان يرجو لقاء الله" لأن هناك من يرجو لقاء غير الله يوم القيامة، قد يكون رغبة في لقاء نبي أو ولي أو ملاك من أجل أن يأخذه إلى الجنة وينقذه من النار من خلال الشفاعة أو غيرها، ولكن المؤمن رجاءه هو لقاء الله عز وجل، فمن كان يرجو هذا اللقاء " فإن أجل الله لآت" حتمًا، سيأتي هذا اللقاء، " وهو السميع العليم" يسمع دعاء الإنسان ويعلم مافي قلبه وحقيقة إيمانه. 


" ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه" جهاد النفس في المسير إلى الله، في العبادة لله وفي تغيير حال الإنسان لينتقل إلى حال الإيمان الحقيقي. "إن الله لغني عن العالمين" الله غني عن الناس فإن لم يؤمنون به ولم يجاهدوا في دينه حق الجهاد فالله ليس بحاجة لهم.


" والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم" هؤلاء الذين سيُكفر الله عنهم السيئات، هم الذين جاهدوا وعملوا الصالحات لا لغيرهم، " ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون" .


يجب أن نتعلم من هذه الآيات وخصوصاً من خلال قوله تعالى " إن الله لغني عن العالمين" أن الله سبحانه وتعالى لا يحابي أحد، ويريد قوة في الإيمان، فالواجب على المؤمن أن يأخذ موضوع الدين والإيمان بالغيب بقوة، وأن يجعله في أعلى مواضيعه في الحياة، وأهم مشاريعه، فإذا وقع في الفتنة فهذا بسبب تهاونه وليس بسبب أن الله فتنه أو أن الله لايريده أن يكون مؤمنًا. 


الجمعة، 10 يوليو 2020

سورة البقرة من آية 6 إلى 7

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (6))
الآية تتحدث عن فئة من الناس لن ينفعها الإنذار، تلك الفئة التي كفرت، ولكن كفرت بماذا؟ كفرت بالآيات المنزلة، وهي المشكلة التي عاشها أهل الكتاب الذين كان من الفترض أن يكونوا أول الناس تصديقًا بالقرآن الكريم، فقد رفضوا القرآن لأنهم  كانوا يعيشون الكفر بالتوراة والإنجيل وهم يظنون أنهم يؤمنون بها.
الرسول منذر فكيف يقول الله لن ينفع إنذاره؟ الإنذار لا ينفع مع الكفر بالآيات، لكنه ينفع مع الذين يخافون البعث وليس لهم من دون الله ولي ولا نصير، أولئك الذين يصدقون الآيات، والكفر هنا هو كفر خاص بالفئة التي لم تؤمن بآيات الله، وليس كفر إنكار لوجود الله، وإذا كان النبي محمد حامل لتلك الآيات وتلك الرسالة الربانية فلن يُقبل منه ما جاء به، ولن يتم تصديقه لكفرهم بالمادة المرسلة من الأصل.

الله سبحانه وتعالى يقول للنبي محمد (ص) "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ" سورة الذاريات آية (55)، الذكرى لها وسيلة ووسيلتها الذكر أى الكتاب فمن كان مؤمنًا بالكتاب نفعته الذكرى ونفعه الإنذار، فإن صحت العقيدة في أساسها قبل نزول القرآن نفعت الذكرى وإن لم تصح العقيده فلن تنفع الذكرى ولا الإنذر.

اغلب استخدامات القرآن الكريم لكلمة "الكفر" هي في الكفر الخاص الذي يصدر من أناس يدّعون اتباعهم للكتب السماوية ولكنهم يكفرون ببعض ما أنزل الله، وهذا ما يعتبره القرآن كفر بالآيات والكفر بالآيات مؤداه كفر بالله. 

(خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7))
الختم هو ما نُنهي به أمرًا أو قضية ما، كما هو الحال في الختم الذي يوضع نهاية المكتوب فلا كلام ولا شيء يأتي من بعده، فلا يمكن التعقيب أو التعديل بعد الختم على أي شيء كتب قبل الختم، كذلك بالنسبة للقلوب التي ارتضت أن لا تأخذ بحقائق الكتاب وارتضت أن تبتعد عنه ولا تأخذ آيات الله بقوة، فمن كان هذا هو اتجاهه وكانت هذه نظرته للآيات فقد ختم الله على قلبه وسمعه، والسمع هو فوهة هذا القلب، والقلب هو آلة استقبال حقائق الرحمن، فإذا ختم الله على هتين الآلتين، فلا تتقبل أي  شيء جاء بعد الختم، فقد أغلقت المداخل وأوصدت الأبواب.

"وعلى أبصارهم غشاوة" الغشاوة هي ما يأتي على الشيء فيغطيه كما يغشى الليل النهار فإذا نحن مظلمون، والغشاوة على البصر هي غطاء يأتي على العين فلا تبصر بسببه، والمقصود هو أن البصيرة الداخلية لم تعد ترى الحقيقة بسبب ما تغشاها من كفر بالآيات، "ولهم عذاب عظيم" بسبب كفرهم هذا. ومن الذي تسبب لهم في هذا الختم وهذه الغشاوة؟ هو عدم تقديرهم لكلام الله وعدم استجابتهم له، ولو أنهم حين رأوا الحق تنازلوا عن كبريائهم ومالوا نحو الهدى لأزال الله عنهم هذا الختم ولرفع عنهم هذه الغشاوة.

والغشاوة على العين لا تحجب الرؤية كاملة، لكنها تتسبب في ضعفها، والغشاوة كلمه بليغه تخبر عن واقع المشرك الذي استبدل كلمات الله بغيرها، فهو يرى ويسمع ولكنه لا يستطيع أن يميّز حقيقة ما يسمع، ولا معنى ما يرى، لأنه لا يسمع ولا يرى بشكل جيد.